الجاحظ
9
كتاب البغال
ما نسمعه عن بلقيس قد يكون « قص به القصاص وسمروا به عند الملوك » . إن الجاحظ يبدو لنا عالما يتحرّى الحقيقة ولا يقبل المعلومات التي يتلقاها من أي مصدر كان إلا إذا أيدتها التجربة أو اقتنع بها العقل ، أو رواها رجال يعرفون بالتحصيل والتثبت والتوقي والتوقف . * * * والناحية الفلسفية في الكتاب تبدو في المنحى الطبيعي والمنحى النقدي والمنحى العقلي الاعتزالي . فالمنحى الطبيعي يقول أن اللّه طبع الأشياء على خصائص تغلب عليها وتظهر في هيئاتها وسلوكها وأعراقها وأخلاقها . وجعل للطبيعة التي تعيش عليها تأثيرا في ألوانها وأجسامها وطباعها . فهو مثلا يرفض رأي من يقول أن الحمير الأخدرية هي نتاج خيل لكسرى توحشت وضربت في الغابات . ويرى أنه لا يجيء بين الخيل والحمير إلّا البغال التي لا تتناسل لأنه لا يعيش لها نسل « فكيف لقحت هذه الأنثى من تلك الخيل حميرا طبقت تلك الصحارى بالحمر الخالصة » . والأقرب إلى العقل هو القول أن الحمير الوحشية اكتسبت خصائصها المميزة من العظم والتمام بتأثير البيئة التي تعيش فيها . لقد كان الأكاسرة إذا اصطادوا عيرا وسموه بأسمائهم وأطلقوه في الصحارى « فعسى أن تكون هذه الحمير أو بعضها صار في ذلك الصقع الذي هذا صفته ، فإن للماء والتربة والهواء في هذا عملا ليس يخفى على أهل التجربة » . ويؤيد الجاحظ مذهبه بأمثلة أخرى يضربها : مثل العربي الذي ينتقل من الجزيرة إلى خراسان ، فإن البيئة الجديدة تترك فيه أثرها فيغدو أحمر اللون مفطوح القفا . ومثل حرة بني سليم التي تطبع كل ما يعيش فيها باللون الأسود فأهلها سود وطيورها سود وهوامها سود وسبعها سود